الشيخ عبد المجيد الخاني النقشبندي

579

الكواكب الدرية على الحدائق الوردية في أجلاء السادة النقشبندية

الشوق والحلاوة والمعرفة ، فيطيل لسانه في بيان المعارف والأسرار ، وإثبات نسبة الإحاطة « 1 » والسريان ، ونسبة الأصالة والظلية والمراتب ، وأمثال ذلك . ثم إذا ترقت المعاملة من الأصول إلى ما فوقها ، وترك الأصل كالظل كلّ لسانه ، واستترت عنه النسبة السابقة ، ما للتراب ورب الأرباب ، فتنتفي عنه تلك المعرفة والحلاوة التي كان يجدها ، فحينئذ إن كان فيه علم والتذاذ فذلك أمر آخر أنسب ما يعبر عنه الجهل والحيرة ، من لم يذق لم يدر ، وليس ذلك من قبيل الجهل والحيرة التي يعرفها العوام ، بل هو أمر آخر ما لم يتحقق به لم يدرك على وجه التمام ، فإن هذا الجهل له ألف مزية عن العلم ، وهذا الخوف والحيرة له رجحان عظيم على الشوق والحلاوة ، وهذا من قبيل مدح الشيء بما يشبه الذم . وقال قدس اللّه سره : الشهود والمشاهدة حيث يوجد الظل والإدراك والوصل من معاملات الأصل ، فإذا ترقى من الظلال وبقي الأصل ، كالظل في الطريق ، واتصلت بالغيب المغيب ، فحينئذ تكون المعاملات السابقة هباء منثورا ، فيتبدل الإيمان الشهودي بالإيمان الغيبي ، وينقلب ما كان من اللذة والحلاوة والذوق والشوق إلى المرارة والألم والحزن ، فقد كان صلّى اللّه عليه وسلم متواصل الأحزان دائم الفكر ، ولذة هؤلاء الأكابر مقيدة بالطاعات ، مقصورة على العبودية والعبادات ، فإن كان غيرهم متلذذا بالشهود مغرورا بخيال

--> ( 1 ) قوله ( الإحاطة ) : المثبتة في قوله تعالى : أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ . وقوله ( السّريان ) لمعاني الأسماء والصفات في متعلقاتها من الممكنات . وقوله ( الأصالة والظلية ) : فيشهد الأكوان ظلالا برزت فيها قدرة المكوّن وظهر فيها فعله كما قيل : هي شمس بدت في ظلال * جلّت عن التمثال تلاشى مذ رآها الهلال * وعاد كالعرجون وهذه الظلال لا تعيق السالك عن السير وإن أثبتها ورآها ، ومثاله كمثل من ركب سفينة وجرت به في النهر وقد انعكست على صفحات الماء ظلال الأشجار التي على جانبيه فلا تعيقه هذه الظلال ولا يحجب بها عن مشاهدة أصلها . ( ع ) .